القراءة والإقراء
لحسن كجديحي
ينبغي أن يتحقق شرط الإحاطة بشروط القراءة وتبين أصولها ومصادرها قبل توظيفها في شكل جديد حتى لا يسفر جهل المتتبع بأصول هذه القراءة عن تشنج التوظيف، ومن ثم إخفاق عمليتي التوصيل والتلقي معا. وثمة شرط آخر نطالب به وهو توفير إرادة سياسية تحرص على برمجة الشروط السالفة الذكر ضمن انتظاراتنا، وخلق امتداد لهكذا قراءات.
فبالرغم من القاسم المشترك الموجود بين التصور الذي ورد في فقرات التقرير، فإن هناك غياب ملحوظ للأسباب الحقيقية التي أدت إلى العزوف عن القراءة. فالسياسات المفلسة المتعاقبة على الشعوب العربية ظلت هي الضامن الأساس لاستمرار هذا العزوف وذاك النفور.إن الدول التي وكلها الله على أمواله وأرزاقه وأمرها أن تحسن صرفها والتي تخرج علينا من حين لآخر بتقارير – وبالمناسبة فهي تفلح كثيرا في هكذا تقارير – هي المسؤولة أمام الله وأمام جماهيرها على أمية هذه الشعوب.فلابد من تناول المعطى الواقعي المراد بالحرية. ونعتبر خطأ وعيبا أي استخدام لأمية الأمة العربية بوصفه معادلا ومقابلا لعقيدة أو فكرة معينـة، لأن ذلك يناقض تماما العملية النفسيـة المصاحبة لاستكشاف السبب الحقيقي واستخدامه. إن هذه المراحل من شأنها أن تحمي تقنية التوظيف مما سقطت فيه بعض التجارب التي انحصرت في إلصاق نعوت لشعوبنا بمعزل عن حكامنا، أو في المقارنة بين الماضي والحاضر، حيث نجد أنفسنا أمام تهم لعقيدتنا أو لانتمائنا العربي. وحينئذ تنفلت الحقيقة وتهرب بتاريخها أمام العجز عن استغلال ثرواتنا ووازعنا الديني ( أمة اقرأ …).
وقـد يتبين لنا الفرق الكبير الموجود بين التوظيف الحقيقي لتشجيع القراءة في تجربتين متعارضتين، أولاهما تجنح إلى التوظيف الخاطئ انطـلاقا من تصور فرضتـه مراحل زمنية معينة، تحيلنا على تجارب المستبدين الذين رددوا معطيات مغلوطة كما وصلتهم أو وصلوا بها بأنفسهم، وعلى تجارب لأناس معاصرين ممن يسمون بالمسؤولين الحقيقيين المقتنعين بمبادئ الديموقراطية. لا شيء يكشف المتناقضات التي يقوم عليها الخطاب الساخر والجارح ، في نفس الوقت ، سوى الاحتفاظ بالثروات و الهروب ودم الآخر وقمعه من فوق ومن تحت ومن جميـع الاتجاهات. لا شيء يجدي هنـا سوى الكلمات الحادة المدببة، والجمل المرتبة في دم بارد وقصدية وتعمد، في سخرية مرة مؤلمة من الذات. منظومة في تتابع لاهث، لا تتوقف للتحليل والتمحيص والتعقيب، فلم تلبث أن فقدت مصداقيتها وجاذبيتها. تنتشر في أيامنا هذه مزايدة غير عاقلة حول رسالة القراءة والإقراء، هذه المزايدة تنتعش في جو محموم يتصف في أغلبه بعدم الثقة وفي مجمله بالتربص، محاطا بالجهل أو التجه















