– دار افريقيا الشرق
الأستاذ : حميد اعبيدة
إن أول ما اصطدمت به، إذن، و أنا أغوص في بحر الرواية، هو عناد ومشاكسة صاحبها منذ الأسطر الأولى و استدعاؤه لأسلوب فلسفي تؤثت له لغة مطواعة متخصصة يصعب على القارئ فك رموزها، و المشي بسرعة في عمله القرائي و كأنه جندي تائه في حقل من الألغام المبعثرة بكل عشوائية، و لكنها عشوائية مقصودة كما هو الحال في الحروب الحديثة، و بدون أن يتوفر على أية قيادة سوى العقل و الثقافة الذاتية. كنت إذن و أنا أقرأ الرواية مضطرا لقطع الحبل السري مع المتداول، و الانخراط الفكري و الروحي في صلب أو كنه مضامينها، منهجيتها، أسلوبها و لعبة أدائها للمعاني و منعرجات تلك المعاني و الفضاءات المكانية التي تغيب و تعود بشكل متكسر أو منكسر على نفسه و على المؤلف و شخوص الرواية، أي أن الفضاء المكاني ليس جامدا بل ناطقا بالأحداث و بارتباط وثيق مع الزمن، هذا الأخير الذي ينساب عبر سيرورة أو ديمومة فيتقاطع مع وقائع تاريخية و سياسية خاصة بالمجتمع المغربي ككل و مختصرة في "وجدة" كساحة اختبار أو تجريب لرؤية مندمجة لمجتمعنا، و من خلاله العالم والإنسان و الثقافة، و ذلك عبر آلة تساؤلية هادفة، و مستهدفة لمقاصدها بدون شفقة ولارحمة، أي بصرامة ترتفع أحيانا إلى درجة قساوة لا تطاق من قبل الواقع المستهدف.
للمؤلف "الوجدي" إذن صلابة أهل وجدة و شموخهم الذي يبدو ساطعا منذ الصفحات الأولى و كأن "البارود" و الخماسي في "السداسي" و الناي و الفرجة "التسخينية" التحريضية لجنود ينتظرون ولوج حرب مفتوحة على كل الاحتمالات، إنها عدة أو عتاد يستحضره الكاتب وهو يقبل على إنجاز العمل الروائي الذي رسم له خطة أو استراتيجية خاصة تماما كما يفعل قادة الجيش قبل أن تدق طبول الحرب.
إن الفضاء المكاني في الرواية يظهر بشكل جلي منذ اللحظات الأولى من بناءها مسطرا، مرسوما بشكل واضح ثم يغيب و يطفو بشكل تناوبي عبر مسار الكتابة، و كأن الكاتب يريد أن يقول لنا: إن هذا المكان هو أي مكان في مدننا المغربية حيث الأحياء العتيقة و الفقر و الشهامة، انتشار ظواهر اجتماعية سلبية و أخرى إيجابية، و بعبارة أدق تناقضات صارخة يتوجها تناقض في الممارسة، و في الحياة اليومية بين التعاطي مع ثقافة الهوية و قيم ثقافية و استهلاكية مغايرة و معاكسة تتجاوز الغور في التقليد لتنفتح على الغرب، و تدعو إلى الإقبال على الحياة و حبها و النيل من إغراءاتها و ما تعرضه من قيم و منتوجات موجهة للإنسان.
نعم ففي علاقتي الدائمة مع العمل الروائي، كنت دائما أستهوي ممارسة لعبة اكتشاف جمالية و أهمية رواية ما و ذلك من خلال الصفحات العشر الأولى لأقرر: هل أتابع أم أتوقف لأختار عملا آخر، و في هذا العمل بالضبط نهجت نفس النهج، لكنني لم أع متى انتهيت منه لأنني انشددت بشكل سحري لمجريات الأحداث و الأفكار والأشخاص و اللغة و مساءلة الطابوهات … إلخ
أما زمن الرواية، أي التعامل مع الزمن فيها، فقد أثار لدي عدة تساؤلات جعلتني أنفتح على أجوبة تتناسل و لا تنتهي، أي لا تستقر على قرار نهائي و حاسم. أربعون عاما أو خمسون أو عشرون أو مئات السنين لا يهم، المهم هنا هو أن زماننا هذا يقيس بمعاييره أشياء تتكرر، و حياة تبدو و كأنها جامدة، اللهم بعض مظاهر التراكم في الاقتصاد و المجتمع، و هنا شددت الرحال إلى عالم كابرييل كارسيا ماركيز في مائة عام من العزلة أو في خريف "البتريارك" حيث الزمن لا ينتهي من جراء التكرار، فجور الديكتاتورية و ظلمها و تكرار سلوك الجنيرالات في أمريكا اللاتينية بنفس المنهجية و نفس الأسلوب و الرؤية لا يغير من الواقع شيئا، مما يعطي للزمن صفة اللامعنى، و الكاتب كرر هذه العبارة مرارا في اللحظات التي كان يصف فيها تدمره وانهياره و إخفاقاته، فالزمن في مثل هذه الأمور هو زمن الذات زمن المفكر أو الكاتب الذي قد يهرول مئات السنين إلى الأمام أو يركض في اتجاه النكوص إلى الوراء مئات أخرى. إن الزمن في عمل صاحبنا إذن لا يقيس أحداثا، ليس خطيا، أو أفقيا، و لا حتى دائريا بالشكل الذي قد يفهم منه أن الأمر يتعلق بالزمن العربي (كما يقال)، و الذي يصفه البعض بالدوران و التكرار و الرتابة، و نحن لا نتفق مع هذا الطرح.
هذا المعنى الخاص للزمن و للمكان هو الذي جعل الكاتب في عمليات الوصف و الحكي يتصدى بكل جرأة لواقع خَبرَهُ أيام الشباب و الحلم، ليعود مرة أخرى من الغربة القسرية كي يواجهه بالكتابة و التعميم و كأنني به قد اعتمد المعنى الكانطي الذي اعتبر مفهومي الزمن و المكان كمقولتين مطلقتين سابقتين للحساسية و للمعرفة الحسية (في مقابل ملكة الفهم و العقل). فهما إذن مجالان لاحتواء تلك الأحاسيس و العمل على تنظيمها و استيعابها عبر الفهم \ العقل. هكذا نجد في الصفحة (10) العاشرة من رفيف الفصول: "في "سوق الغزل" تتعثر العلامات الراصدة لمزاج الوجديين و تنكسر هويتهم و هم ينحتون بحساسية مفرطة معانيهم للشرف و الأصول… نساء يعرضن عريهم على عتبات ساخرة، ورائحة البغاء تنضح من أجساد مطهوة، منضدة فوق أقصاع اللذة المهدورة مقابل "ألف فرنك". تقفز "الألفات" من أيادي الرجال المتناوبين و هي مضمخة بروائح الشهوة لتلتقطها تلك الأنامل التي حصل لها شرف البغاء، تسد بها فروج نهود خبرت كل اللمسات و اللسعات و نبض الألسنة … وجوه يجمعها التشابه، تنصهر في إيقاع لوني مبعثر يؤطره أحمر شفاه، كدد، بتجدده المستمر شفتي الواقفات على عتبات مواخير مكشوفة لكل المارة المتجولين…"
وصف جريء "إذن" لواقع يعيشه أهالي الأحياء الشعبية بــ "وجدة زمان الطفولة" التي غادرها الكاتب مضطرا فارا من غطرسة و ظلم أو بطش عهد الرصاص، لتستقبله باريس بالأحضان، لكن مقابل ثمن الغربة و قساوة أخرى مختلفة لكنها تنتج المعاناة و القلق الدائم.
نعم لقد اختار الكاتب هروبين: هروب من ظلم ذوي القربى لما اشتد عليه خناق الوطن، و هروب من الغربة بعد أن سمع بالانفتاح و بزوغ عهد احترام الحريات والحقوق ليحقق عودة لدفء الأهالي و الثقافة و الوطن في كف "ثلث" "أشقاقي" ومنعطفات "الخربة" و انشعابات "سوق الغزل" و "أهل الجمال" التي زارها لأول مرة بعد أن ذهب "في الغياب أو في النسيان أربعين خريفا (كما يقول) (….) أستغل خطاي منخطفا إلى حضرة الألوان المهدورة من طين الأسوار المتعبة، أو من ندوب الحيطان التي راودها الزمن الرعف بالخيبات الكبيرة و الصغيرة" ص11.
إنه عاد إلى أرض الوطن من غير طلب، لم يرغمه أي شيء أو أي أحد، يقصد الحاضر المنفتح نفسه، و لم تكن لديه رغبة مسبقة في المجيء و يجهل جهلا تاما سبب عودته يقول "لم أجئ بطلب من الحاضر أو بإرغامه الآمر، و لكني جئت و بإرادتي … جئت هكذا بدون رغبة مسبقة و لم أعرف كيف جئت أو لماذا جئت، و لكن جئت في النهاية!".
بهذا التصريح إذن، يذكرنا الكاتب بأدب المهجر في لبنان، بإليا أبي ماضي وبميخائيل نعيمة و بمعاناة الغربة الناتجة عن الهجرة و عن الابتعاد القسري أو القهري، عن الأهل، عن ال















