المشهد الثقافي امتداد أم ارتداد
كتبهامحمد السعيد مازغ ، في 21 فبراير 2008 الساعة: 23:46 م
مراكش مقام العابرين
المشهد الثقافي امتداد أم ارتداد
محمد أيت لعميم
ـ إن الحالة الثقافية بالمغرب عموما تعرف حركية وفعالية ونشاطا، لكن المفارقة تتجلى في أن الفعل الثقافي معطوب، بمعنى أن أثر الثقافة في الحركية الاجتماعية باهت وغير قادر على إيجاد موطئ قدم أمام السياسي والتقني. وما ينسحب على المغرب الثقافي بصفة عامة، يجري على الوضعية الثقافية بمدينة مراكش، المدينة العريقة بتاريخها وتقاليدها ورجالاتها قديما وحديثا. مراكش ابن رشد، وابن طفيل، والسهيلي، والقاضي عياض، والفتح بن خاقان، وابن عربي، والمختار السوسي، وأحمد الشرقاوي إقبال، والشهيد حمان الفطواكي، وعبد الحق فاضل، وأحمد الخلاصة، ومولاي الصديق العلوي، وعبد الله إبراهيم، والحبيب بن موح…
ـ إن مدينة بهذا الزخم التاريخي خليق بها أن تنجب كتابا ومثقفين ومبدعين يليقون بمقامها، لكن المتتبع للحركية الثقافية في مراكش في العقدين الأخيرين يلاحظ أن الثقافة بهذه المدينة عرفت ارتدادا، ولم تستطع أن تجسر العلاقات مع الثقافة التي كانت تفعل فعلها في المجتمع، وفي صفوف التلاميذ والطلبة، فعلى سبيل المثال أفرزت الجامعة في عقد الثمانينيات وبداية التسعينيات مجموعة من الأقلام المهمة في ميادين الكتابة المختلفة، محمد الصالحي، خالد بلقاسم، أحمد اللويزي، محمد أديوان، عمر أوكان، ياسين عدنان، طه عدنان، حسن المودن، هشام فهمي، المهدي حلباس، نجيب عبد اللطيف واللائحة طويلة، ومن هذا المنطلق يجوز التساؤل إن كانت اليوم الجامعة قادرة على إعطاء نماذج شبيهة بهذا الجيل، أم أن غياب الهم الثقافي، وتحول مواطن الاهتمام لدى الفئة المتعلمة، والاجتياح العولمي سيجفف منابع الإبداع والكتابة الرصينة.
ـ إن الجيل الثمانيني في جامعة الآداب بمراكش كان في اعتقادي جيلا مهموما بالشأن الثقافي، وكان في الوقت نفسه محظوظا، لأنه تتلمذ على أيدي كتاب وعلماء وازنين نذكر من بينهم المحقق واللغوي الكبير رشيد العبيدي العراقي، وحكمة الأوسي، والفلسطيني زلوم بركات، والقاص الفلسطيني أفنان القاسم، والمصري مصطفى حجازي المتخصص في المناهج النقدية، والمرحوم نوفل برحال، وعبد الرحمان الموساوي، وكان الشاعر العربي الكبير أدونيس في عز عطائه النقدي يلقي على الطلبة محاضرات في قاعة الزجاج بجنان الحارثي. وحتى الجمعيات الثقافية في ذلك الوقت، كانت تنحو نحو الفعل الثقافي ذي الصبغة الجماهيرية، فالاتحاد الإقليمي لمسرح الهواة استطاع أن ينظم ملتقى الحمراء الوطني الذي كان يستقطب مختلف الجمعيات لتبادل الخبرات والأفكار، وفي هذه الفترة عرفت الحركة المسرحية بمراكش تطورا ملحوظا على مستوى العروض، وكذلك على مستوى نقاش القضايا المسرحية، وللإشارة فمثل هذه الملتقيات كانت تعرف حضور الفعاليات المسرحية التي لها وزنها الخاص في المشهد المسرحي الآن. عكس ما تحبل به الساحة اليوم، حيث يلاحظ أن العديد من الجمعيات تنمو كالفطر، ولكنها غثاء كغثاء السيل، تبدو كجمعيات عائلية تمارس نشاطها في أفق مغلق، ويغلب عليها الطابع الاحتفالي، كما تنأى بنفسها عن فتح نقاشات وتبادل الخبرات، إنها شبيهة بأرخبيل لجزر معزولة، علما أن الدور المنوط بفعاليات المجتمع المدني هو أن تكون طرفا وشريكا في صنع الفضاء الثقافي للمدينة، بدلا من أن تبقى متفرجة لا مبالية، والأمثلة على هذه اللامبالاة تكاد لا تحصى، فمراكش مثلا في حاجة إلى مكتبة تليق بتاريخها، لتخلق فضاء للقراءة، وتحفز عليها وتشجع الباحثين والدارسين على التنقيب، مثل المكتبة الوطنية بالرباط، أو مكتبة آل سعود بالدار البيضاء، لا أعتقد أن الجمعيات ولا الجهات الرسمية تدرج هذا المطلب في مشاريعها، فحتى الخزانة اليوسفية التابعة لوزارة الثقافة، وهي بالفعل خزانة مفيدة، أغلقت أبوابها لمدة طويلة، لإصلاح يبدو أنه لن ينتهي، ولا أحد طالب بإعادة فتح هذه الخزانة، التي كانت ملاذ الباحثين والدارسين والقراء، والحق يقال أني استفدت شخصيا كثيرا من هذه الخزانة التي تضم كتبا نادرة، فمن الغبن أن تظل هذه الكتب حبيسة علب الكارطون، تعبث بها الرطوبة وتقرضها الأرضة.
ـ مدينة مراكش هي مفرد بصيغة الجمع، هي مدن غير مرئية، على حد تعبير إيطالو كالفينو، تزخر بموروث تعاقب عليها عبر الدول التي حكمت المغرب، هو موروث متشعب، ديني، وصوفي وأسطوري وأدبي وفلسفي وعمراني متميز، ونضالي. فكيف تعامل الإبداع مع هذا الموروث، كيف تعامل الإبداع مع فضاء المدينة وشخوصها، أعتقد أن الكاتب المراكشي لديه عسر تمثل فضاء المدينة، لم يستطع أن يلج عوالمها وأسرارها، لم يستطع أن يزاحم العين الأخرى الآتية من وراء البحر التي افتتنت بفضاء مراكش وشخوصها ومعمارها، إذ كلما أردنا أن نستشهد بكاتب تمثل مراكش في العمل الأدبي سيتبادر للتو" إلياس كانيتي" في أصوات مراكش، "وكلود أوليي" في مراكش المدينة، وغويتصولو نزيل مراكش في "مقبرته"، لقد أصبحت هذه الروايات ذات شهرة عالمية، وأكثر من هذا فمراكش غيرت مسار الكتابة عند غويتصولو، وأنقدته من الإفلاس التخييلي، إن أبطال الروايات في مراكش مطروحون في الطريق، وفضاءات الرواية في المدينة متنوعة وتعطي بسخاء، وطبيعة الشخصية المراكشية تحتاج إلى من يستثمرها في الكتابة، إن مراكش بالنسبة لكتابها ما زالت مادة خام، ويبدو أن بعض الكتاب بدؤوا في الآونة الأخيرة يستشعرون هذا التحدي، فأبو يوسف طه القاص والروائي المتميز حاول أن يستثمر بعضا من مظاهر المدينة في روايته الأخيرة "عشاء البحر"، لكن هذا غير كاف، والروائية رجاء بنشمسي خصصت روايتها الأخيرة "exil de la lumière" للمدينة، والشاعر اسماعيل زويريق خصص بعضا من دواوينه لمراكش،خاصة ديواني "مراكش، ونخلة الغرباء"، ومحمد أفلال الروائي المراكشي المقيم بباريس الذي لامس المدينة في بعض رواياته، غير أن المتن غير كاف من أجل استلهام مدينة الأسرار.
ـ مراكش فضاء يجود بسخاء على الأجنبي، تهوي إليه أفئدة كتاب وفنانين عالميين كبار، والكثير من أبنائه حلقوا خارج أسواره، وأزهروا في براري بعيدة ، نذكر منهم الروائي أحمد التوفيق، وأحمد شوقي بنبين محافظ الخزانة الملكية، وعبد الغني أبو العزم، وأحمد شحلان المتخصص في اللغة العبرية، والروائي محمد أفلال حلاق باريس.
في اعتقادي، الوحيد الذي استطاع أن يستثمر عمران المدينة جماليا هو الفنان المرحوم عباس صلادي الذي وظف في لوحاته الزليج والقباب والأضرحة والنخيل، وبذلك استطاع أن يخلق مدرسة فنية فتنت نقاد الفن الغربيين، وصلادي أعطى درسا مهما يتلخص في كون الإغراق في المحلية هو طريق سالك للعالمية.
ـ أخيرا، إن الفعل الثقافي لكي يكون ذا جدوى يجب أن يتحلى المثقف في المدينة بمجموعة من القيم حتى يسترد دوره الريادي، وهو أن يستشعر أن لديه سلطة، وأن لا يبقى ذيليا، وأن لا يكون همه الوحيد هو إنتاج المعرفة، وإعادة إنتاجها، بل أن يمارس قناعاته الفكرية والثقافية، على اعتبار أن الثقافة في مراكش ـ وفي المغربـ كله ـ تفتقر إلى المبدأ الحواري، وتمارس القطيعة ليس بالمفهوم الباشلاري، وإنما بمفهوم الخصومة، وهي مصابة باللامبالاة، إذ اللامبالي يقتل ذاته قبل أن يقتل الآخرين.
(عضو اتحاد كتاب المغرب فرع مراكش)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب | السمات:أدب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























