الحركة المسرحية بمراكش
كتبهامحمد السعيد مازغ ، في 17 فبراير 2008 الساعة: 10:16 ص
الحركة المسرحية بمراكش
بين الواقع والمرجعية
ارتبط الفن المسرحي في نشأته بالقضايا المصيرية للشعب المغربي، وعبرت ملامحه الأولى عن مؤشرات ارتباطه بالشرق العربي من خلال تعامله مع الموضوعات العربية أو التي ترجمت أو تم اقتباسها عن الأدب الغربي، وكانت تتناول قيما ومثلا تجسد طموح الشعوب المستضعفة وتطلعاتها نحو الحرية والانعتاق والإصرار على التخلص من هيمنة الاستعمار الغاشم، والتصدي لمشروعه الهادف إلى طمس مقومات الهويات المحلية الأصيلة، وذلك لتسهيل إدماج هذه الشعوب في نسق الإنتاج الإمبريالي الذي يخدم بالدرجة الأولى مصالح المركز أي الدولة المستعمرة "بكسر الميم"، وفئة العملاء المحليين الذين اختاروا التنكر لمنطق التاريخ.. فاقترنت الحركة المسرحية المغربية الفتية بالنضال والمقاومة واعتمدت خطابا تعبويا جماهيريا، تنبثق أسسه من الموروث الثقافي العتيق وتاريخ الأمة العريق في مواجهة محاولات المسخ الحضاري الذي رصدت له إمكانيات. مادية وفكرية مؤسساتية موازية للوجود العسكري القمعي المكثف
وجدير بالذكر أن نشأة الحركة المسرحية المغربية لم تكن على يد شباب عائلات الأعيان فحسب، بل ساهم في هذه النشأة، رعيل من أبناء الأحياء الشعبية في المدن العتيقة، وأصبحت وسيلة نضالية لا تقل أهمية عن باقي الوسائل الأخرى، وفي مقدمتها الكفاح المسلح، لدرجة أن حملات الاعتقال والمحاكمات القمعية كانت تشمل رواد الجمعيات والفرق المسرحية، وذلك لنجاحها في استقطاب جمهور عريض ظل يتجاوب مع الخطاب الموجه. ومع حصول المغرب على الاستقلال، عرفت مدينة مراكش كباقي المدن المغربية نشاطا مسرحيا ملحوظا، حيث كانت أغلب الأحياء تتوفر على فرقة مسرحية مكونة من الطلبة والعمال والحرفيين، فبنيت الخشبات في الساحات العمومية وكانت مسرحا للتعبير عن الفرحة بالاستقلال وتمجيد الكفاح الوطني.. كما كانت تشيد بتضحية المجاهدين الذين أصبحوا رموزا للمقاومة والنضال، وبالمقابل كانت جل العروض تفضح ـ على بساطتها ـ المنبطحين والعملاء الذين تواطؤوا مع المستعمر.
عندما هدأ حماس الجماهير وفرحتها بهذه المرحلة، برزت لحظة الاختيارات الحاسمة، فتموقعت الحركة المسرحية الفتية آنذاك إلى جانب الحركة التقدمية الطموحة الساعية إلى بناء مغرب حديث، تسوده الديمقراطية والعدالة في مواجهة المؤامرة الهادفة إلى تكريس الاستعمار الجديد واحتكار القرار الاقتصادي والسياسي، وقد كان يتزعمها بعض الأعيان والعملاء والوصوليين لحماية مكتسبات وامتيازات غير مشروعة، علاوة على مصادرتهم للروح الوطنية الصادقة، التي تعتبر المحرك والحافز الأساسي الذي تحطم على صخرته جبروت المستعمر وتسلطه، كانت البداية مع المسرح العمالي الذي أنشئ في إطار الأنشطة الموازية الشبابية للنقابة الوحيدة في ذلك الوقت، وهي الاتحاد المغربي للشغل حيث كانت له فروع بالمدن الرئيسية، واتسم بتوجه تقدمي يعكس تطلعات الطبقة العاملة ونخبة من المثقفين ذوي الاختيار الاشتراكي.. أما على المستوى الرسمي فقد أسندت مهمة رعاية الحركة المسرحية لوزارة الشبيبة والرياضة، هذه الأخيرة ستحتضن فرقة المعمورة كفرقة وطنية للفن المسرحي..أما ذاكرة مراكش فقد احتفظت بالنسبة لهذه المرحلة بعطاء ثلاث فرق مسرحية للهواة، وهي فرق اعتمدت على إمكانياتها الذاتية البسيطة، واستمدت قوتها من مسايرتها المعركة الديمقراطية ونكران الذات والإيمان بالقيم والمصلحة الوطنية العليا، فأنجزت تراكما يشكل مرجعية تدعو إلى الاعتزاز بفترات التحم فيها الفن بالنضال، ومن بين عدة فرق ظهرت ثم تلاشت، علما أن كل واحدة كان لها توجها خاصا، كما كانت متباينة على مستوى كثافة النشاط، ونوعية الأعمال التي قدمت إلى غاية نهاية السبعينيات، وتعتبر فرقة الأطلس الشعبية المسرحية التي أسسها قيدوم المسرحيين المراكشيين " حنين مولاي عبد الواحد العلوي، من أقدم هذه الفرق، وقد عرفت هذه الفرقة مشاركة عدد كبير من الفنانين الذين سيطعمون فيما بعد الفرقة المسرحية للإذاعة الوطنية. وقد كان إنتاج فرقة الأطلس الشعبية يتناول قضايا اجتماعية برزت خلال التطور الذي بدأ يعرفه المجتمع المغربي، خاصة علاقة البادية بالمدينة، وثقافة الأضرحة وأطفال الشوارع وغيرها، وأروع ما قدمته هذه الفرقة تحفة " الاستقلال أولا" والتي هي من تأليف مشترك بين مولاي عبد الواحد وأبو ريشة الحبيب، ولا يفوتنا أن نذكر أن هذه الفرقة حصلت على عدة جوائز في إطار مسرح الهواة. أما الفرقة الثانية التي أنتجت بدورها تراكما مهما في العمل المسرحي الهاوي فهي فرقة " كوميديا " التي كانت تتألف من نخبة من رجال التعليم والطلبة، وكان لها توجها فنيا بارزا، حيث شكلت مدرسة متميزة اشتغلت على المسرح العالمي واحتلت مكانتها على المستوى الوطني لنجاح عروضها خلال دورات عديدة للمهرجان الوطني لمسرح الهواة، التي تشرف عليه الوزارة الوصية.. غير أن نشاط هذه الجمعية بدأ يتلاشى أمام غياب الإمكانيات، وافتقارها إلى دم جديد يمكن أن يضمن استمراريتها وتطور إنتاجها، أما الفرقة المسرحية الثالثة والتي احتلت الصدارة على المستوى الوطني خلال فترة أواخر الستينيات والسبعينيات فهي فرقة شبيبة الحمراء ذات التوجه التقدمي والتي اختار مؤسسوها إنتاج أعمال اهتمت بقضايا الإنسان المغربي في زمن المخاض، وقدمت عدة أعمال نالت إعجاب الجمهور على المستوى الوطني. وكان روادها من الطلبة ونخبة من مثقفي المدينة، كما برزت في إطارها أسماء احتلت الصدارة في التأليف المسرحي كالمؤلف محمد شهرمان وغيره. لكن حملة الاعتقالات التي عرفتها سنوات الجمر والرصاص بالمغرب شملت أهم العناصر النشيطة للفرقة، فكان نصيبهم الأحكام الجائرة، وقضاء سنوات أليمة بين المعتقلات السرية والسجون..
عرفت مدينة مراكش أيضا فرقا أخرى لم يدم نشاطها طويلا رغم جودة وجدية أعمالها نذكر منها على سبيل المثال فرقة "الجيل الصاعد" وأخرى موسمية تظهر وتختفي ويغلب عليها طابع الارتزاق والتهريج والإنتاج الرديء وبهذا لا تستحق الذكر. وللإشارة، ومن باب الموضوعية والإنصاف لا بد من ذكر الثنائي المسرحي الشعبي الحاج عبد الجبار الوزير والمرحوم محمد بلقاس اللذين أتحفا الجمهور المغربي باسكيتشات هزلية ما زالت تحتل موقعها في الذاكرة الفنية الوطنية، وقد تقلبا في عدة فرق إلى أن استقرا في فرقة "الوفاء المراكشية" قبل أن يفترقا في الثمانينيات، علما أن الفنان القدير عبد الجبار الوزير ما زال يمارس بين الفينة والأخرى أعمالا مسرحية من إنتاج وإخراج الجيل الحالي من المبدعين الشباب..
وخلال الثمانينيات احتلت الصدارة بمدينة مراكش بعض الفرق المسرحية الجادة كفرقة…………وفرقة………و………..
هذه الفرق قدمت أعمالا اتسمت بطابع البحث الدرامي سواء على مستوى النصوص أو السينوغرافيا. وقد ساهم المعهد العالي للتنشيط والدراما في تطعيم الحركة المسرحية الوطنية فنالت الفرق المراكشية حظها من النفس الفني الجديد الذي شكله خريجو المعهد، والذين عملوا على تصحيح المسار الفني وقدموا مسرحا تجريبيا غالبا ما يستمد أسسه من الموروث الثقافي الأصيل وموجة التجديد في الإخراج والتعامل مع النص المسرحي؛ غير أن هاجس "الدعم" وملابساته المخصصة من لدن وزارة الثقافة لهذا القطاع من شأنه أن يساهم في انحراف التوجه الجديد، على اعتبار الخطوط الحمراء المتحكمة في منهجية طرح القضايا على مستوى النصوص والمواضيع المتناولة وهو ما يفقد الأعمال مصداقيتها وجرأتها في لمس القضايا في عمقها. وبمعنى آخر فلا مسرح جاد بدون حرية، وبالتالي لا يمكن فصل المسرح عن قضايا الإنسان الأساسية، إنه الفن الذي لا يقبل المساومة. وارتباطا بالموضوع ذاته يجدر الإشارة إلى ظاهرة مسرح الاحتراف، وهي ظاهرة احتلت الصدارة مع إنشاء النقابة الوطنية لمحترفي المسرح، ومن تجلياتها "انقراض" الهواة بمجرد حصول جل الممارسين أو المهتمين على بطاقة العضوية.
عباس فراق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب | السمات:أدب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























