لزيارة موقعنا المرجو الضغط هنا

www.almassaia.com


 


مدونة المسائية العربية       almassaia alarabia   
www.almassaia.com/ar/index.php

مراكش في القلب

كتبهامحمد السعيد مازغ ، في 14 فبراير 2008 الساعة: 04:38 ص

مراكش في

القلب

محمد السعيد مازغ

 

الأستاذ إسماعيل زويريق الشاعر والفنان التشكيلي المراكشي المهووس بمدينة مراكش حتى النخاع، أبى إلا أن يترجم عشقه الجنوني عبر ديوان شعري اختار له عنوان "مراكش" هذه المدينة التي ظلت حاضرة بكتبيتها، بأسوارها ونخيلها، بكل الأطياف الممزوجة باللون والصوت، موغلا في تفاصيل الوجع المندس في أديم النص وسراديبه السحرية والمتوحشة المشتعلة باستمرار في إصداراته التسعة عشر محاولا في كل مرة إعطاء الفضاء الشعري بعدا جماليا، وللوحة الفنية مساحات أوسع. تولدت لدى الشاعر قناعة بأن اللون وتجلياته يعطيان بعدا للأفكار، فهما إيقاعها، والأشكال الهندسية بناؤها، والفضاء ملاذا للروح الشاعرة حيث يتجسد في لحظات الخلق فوق صفحات الورق إما لفظا وإما لونا، وما الشعر كما يقول الشاعر اسماعيل ازويريق سوى جنون جميل يأخذ بتلابيب الجائل بين فيافي القلب، وما أصعب الشد على هذا الجائل المنفلت من قبضة هذا الجنون، وحين سألناه عن مراكش ابتسم قليلا وأجاب:

 

 

   تسألني عن مراكش وهي التي أنبتتني شاعرا.. بين رحابها عشت وليدا، طفلا، شابا، كهلا.. محضتها من الحب بقدر حرارتها صيفا، وبرودتها شتاء، غنيت جمالها.. فتنتها؛ كونت من ملامحها صورة رسمتها الأعوام بذاكرتي، صورة  لمراكش الحقة، هي غير صورة مراكش الكتبية؛ مراكش الأسوار، مراكش القصور، مراكش الرجالات السبع، بل هي مراكش التي تتوارى خلف دموعي، بحزنها الكبير، فتعشي بصري. مراكش الفقراء، مراكش الشجن، مراكش الورد المزنر بالشوك، ضفرت لها من القصائد ما انتظم إكليلا وضعته في عيد ميلادها الألف على جبينها العاري.

ما أروع هذا الجبين الذي يحمل سر حبي، هذا الجنين الذي طاول الكتبية في صمودها، والأسوار في جلالها، والأطلس في شموخه، وغطى ما خلف الدموع. أخجل أن أكون شاعر مراكش الذي لم يمنحها من الشعر إلا بعض القوافي المهترئة، وهي لامية الوطن العصماء، قصيدة ضل بين قوافيها خافقي.

مراكش الطفلة في مهد من سعف النخل، أهدهدها بأغنياتي عن الحب والعذاب حتى تنام، كلما أذنت الشمس بالرواح لكنها لم ولن تنام.. قلت لها يوما عجبا منك أيتها الطفلة الودود كلما ابتعدت عنك، إلا والشوق يزداد شدة إليك.

مراكش توغل بفضائها في أرخبيل القلب إيغالا. تتجمع بدروبها المتدفقة وأزقتها المتغلغلة في أعماق التاريخ لتستوطن مني معالم الافتنان، ذلك أن للمكان في الشعر حضورا راسخا، يأخذ اللب ويمتلك المشاعر، ليس لعاشق الشعر أن يولي ظهره لمنبته، هذا المنبت هو تربة الإخصاب الذي يمنح لشجرة الإبداع نموها وسحرها، يعطيها كينونتها ووجودها، ومن الإجحاف البين أن نتنكر للمدينة التي نسكنها، للمدينة التي شهدت على وجودنا الولادة. لم أعد أسكن مراكش، إنها تسكنني وهذه هي الحقيقة، تسكنني بعرصاتها التي أخنى عليها من أخنى على لبد بأحيائها الشعبية المطبوعة بسمات لن تجدها في سواها، بأسوارها الشامخة، بكتبيتها الباذخة، بأسواقها، بنخيلها الواقف في وجه الريح، هذا النخيل الذي أوثره على ناطحات السحاب، وعلى العمارات العملاقة؛ إنها بكل ما ينتمي إليها تقيم فوق شغاف القلب قلعة شامخة تطل على هذا الكون بامتداداته الهاربة بديعة مبدعة من بين أسوارها المتجعدة المتآكلة بفعل ترادف الأزمنة، بما يحمل من قساوة وجبروت ينتفض القلب في شغب، ليعلن للزمان المتهور أنها هي ولا شيء سواها؛ بين أحيائها المسكونة بالشجن والألم، بالنقاء الطهر ألملم أشتات القوافي المدججة بالرفض لواقع لا يرفضني، في ساحتها أقف وقد ظللتني سحابات من قتار المشوي والمحشي، مبللا بالضوء الباهت، ومحمَّلا بأصوات وهمهمات ممتزجة بروح الدعابة المراكشية، مشدوها أعلن لكل ساحات العالم أنها هي ولا شيء سواها.

لا عجب أن تكون هذه المدينة التي لم أغادرها إلا لأعود إليها بين اعتلان النجم واختفائه مدفونة في ثنايا القلب، أن تكون ملاذي في عالم الكلمة الشاعرة، فكان ما أعطتني وبالأخص لشعري الكثير رموزها بكل أبعاد دلالتها، هي صاحبة الفضل في تطريز كثير من قصائدي، ما نسجته من قصائد لم يكن إلا بين تضاريس عالمها المنسي، وتحت شواسي نخيلها المشرد. إن فضاء مراكش هو الملاذ 

 إنها المدينة التي أشعلت في نفسي فوانيس الحقيقة وجعلتني أنغمس في متاهات الحلم باحثا عن تلك القبة الخضراء التي تحمل جسدي على الاستراحة. إنها المدينة التي لم أجدها كما أريد إلا في شعري. فلا عجب إذا خصصت لهذه المدينة الآسرة التي تبحث في طيات الزمان عن مكان تلوذ إليه فلم تجد إلا قلبي ديوانا يحمل اسمها. مراكش

مقتطفات من قصيدة لتنض رداء السهر

مراكش ظل مكدود تحت نخيل مشلول

أرصفة تتلبسها الآلام

وأنا تحت الكتبية أملي هذا المتن رثاء

على قطط السطح

 وعلى أجراء الليل

وعلى الشمامين من الأطفال

وعلى المادين كفوف الإذلال

بشوارع جيليز المزهوه

فلتنض رداء السهرة ليلاي

وحدي يا كتبية عاينت

أسرار الليل المخبوء بذاكرة التاريخ المنسي

أخاديد الجرح المفتوح على سعة الفيض

وعراة البؤس

سهوب اليأس

وحال الأسلاف

 من آل اللامتوني وآيت المهدي

ودراويش أبي العباس

وحدي ياكتبية عاينت الأحداث جليلة

مراكش ترمي في أتون الموت بها صعقات

تسحقها الحسرات

أوجاع الأيام

شهقات الأعوام

 آهات الليل المفروش بأوبئة القحط

 أشباح الموت الجوال

 ضربات الإعصار الآتي من بحر الظلمات

 أين العرصات الفيحاء وأين العيون

أين الماء الجاري في كل الأنحاء

وأين الفنادق فندق النارنجة

لم تبق سوى الكتبية تحكي في وقفتها

"أن العزة لله"

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : استطلاعات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “مراكش في القلب”

  1. يا مراكش يل وريدة بين النخيل ويا قمرا في سماء الدنيا



اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق

 
السياسية لزيارة موقعنا المرجو الضغط على الرابط 
www.almassaia.com


جريدة المسائية العربية © جميع الحقوق محفوظة
 


almassaia.com/ar/modules/myfiles/files/6_1259759358.jpg