اخترنا لكم
كتبهامحمد السعيد مازغ ، في 29 ديسمبر 2007 الساعة: 14:30 م
الجزء الأول
صحوة الديكة
بقلم الأستاذ: لحسن كجديحي
لا يحتاج المرء أن يكون خبيرا في السياسة وشؤونها ليدرك أن طغيان الديماغوجية أصبح ملاذ العديد من المتطفلين على هذا الرقيب، المفروض فيه النزاهة والاستنفار الشديد لردع الأجسام الطفيلية واجتثاثها إلى حيث لا رجعة. فبدلا من أن يكون الصراع صراع آراء ومواقف سياسية، تهدف إلى مواقفها والدفاع عنهاوصراعاً بين أطياف الهيئات النضالية، أصبح صـراعا – في ظل التضليل السياسي والإعلامي الهائل الذي يفعل فعله دون شك في وعي عموم الجماهير المطحونة- على السلطة وعلى الزعامة وعلى الكراسي. فإلى متى يظل نهج تزوير إرادة الجماهير وتضليلها سائدا ، ويبقى الانتهازيون المتلاعبون يسيطرون على مواقع القيادة والتحكم ، بينما المناضلون الحقيقيون بعيدون عن مواقع التأثير،أو متهمون بالرجعية ، أو مغيّبون في السجون، أو شهداء عند ربهم يرزقون ؟
إن الخط الذي ينبغي تقويته يتجلى في تبني ميثاق سياسي مجتمعي يحرص على ضبط الفساد المستشري في الأجهزة والمؤسسات التابعة للسلطة المخزنية للقضاء عليه، ثم لتطوير أدوات التتبع خاصة ، حتى يتسنى الاتفاق على برنامج سياسي جديد ولكن من النقطة التي وصلت إليها بعض الأحزاب السياسية في ظل ما اصطلح عليه بالانفراج السياسي- خلال السنوات القليلة السالفة - ولن يستقيم الوجه السياسي برمته ما لم يتم تنظيفه من العناصر الطفيلية التي تقتات من ارتباطها بالأمية والفقر المتفشي بين الأفراد والجماعات، ومن الذين استسلموا لإرادتهما وربطوا مصيرهم بمصيرهما، لأن ذلك جزء لا يتجزأ من الصراع مع جبهة تحرص على تخلف البلد والاصطياد في الماء العكر. ينبغي لهذه العناصر أن تتخلص من حساباتها ومصالحها الضيقة وأن تقف على أرضية وطنية خالصة لا مكان فيها لأية نزعات أخرى غير مصلحة الوطن. فهناك أشياء لا نستطيع تحقيقها بانفرادية، فعندما يتعلق الأمر بإشكالية عامة، فإن التصدي لها يحتاج إلى أدوات ومواقف عامة، أي إلى إرادة سياسية جماعية، لا يبقى فيها مجال للعنتريات الفردية. وفي مجال العمل السياسي بالتحديد، تبزغ الحركات السياسية، سواء كانت حزبا حقيقيا أو حزباً نخبوياً أو تركيبة مغلقة، بالضرورة على أساس أرضية مشتركة من القيم والمفاهيم، وعلى أساس تشابه أو تقابل التصورات العامة على الأقل،واللقاء على برنامج عمل محدد حتى لو كان مؤقتاً. وبدون وجود مثل هذه الأرضية المشتركة، التي قد تضيق أو تتسع بحسب نوعية وهدف التركيبات السياسية التي تحدثنا عنها، فإن ما يبقى هو لقاء صدفة عابر بين تركيبات من الأحزاب والهيئات الذين لا يربط بينهم رابط. وكم هي كثيرة هذه التركيبات التي تعجز عن التحول إلى أداة عامة لمعالجة مشكلة عامة بسبب افتقادها لوحدة الرؤيا ووحدة الهدف ووحدة الانتماء! وفشلنا يعني فعلياً أن العائق الرئيسي لحل المشكلة العامة، التي تمس الوطن بمجمله أو أوسع مكوناته، لا يعود لعدم توفر إمكانات أو موارد أو مناضلين، بل لعدم وجود أرضية مشتركة (إرادة سياسية) يمكن أن تنبثق منها أداة عامة. وعندها تصبح المشكلة أن الواقع يغلي، وأننا كتركيبات نكاد يغشى علينا من شظايا غليانه، ونحن نفتقر للحد الأدنى من المقاييس المشتركة التي تمكننا من بناء أداة عامة، وهذا يعني عملياً أننا نفتقد للإرادة السياسية الجماعية لحل المشكلة العامة التي تواجهنا، بالرغم من حسن نوايا بعض تركيباتنا.
كيف يمكن يا ثرى أن ننتج أداة عامة على مستوى وطني إذا كان وعينا محكوماً بالانتماء السياسوي الضيق والطائفي العائلي، وبالنهاية، بالوعي الفردي ؟ فالوعي الفردي لا ينتج بالمحصلة إلا بحثا شخصيا عن مخارج ذاتية للأزمة العامة، سواء على مستوى الذات أو على مستوى الاتجاه الضيق جداً الذي حشرنا أنفسنا فيه، ثم تبقى بقايا الوعي الفردي تفعل فعلها في إعاقة بناء أداة عامة حتى بعد أن يدرك المرء أنه في خضم مشكلة عامة وأن حلها لا يكون إلا بأداة عامة. فحرية الرأي كأداة تأتي لتغني العمل وتصوب اتجاهه وتنقي الشوائب والأخطاء وتكشف الانتهازيين وتحاسب المقصرين، ولكن من أجل مصلحة الوطن، وليس من أجل إبراز التميز الفردي. والحديث عن حرية الرأي خارج سياق الولاء للمصلحة العامة لن يعني سوى المزيد من الفوضى والاختلاط الذهني والتفكك. بالتأكيد ليس هناك شخص أو رمز مقدس، وليس هناك أحد فوق النقد، ولكن استيعاب الخلاف وتعدد الآراء على قاعدة الثوابت يختلف تماماً عن استيعاب الخيانة والانحراف كوجهة نظر. والاختلاف المشروع للآراء يختلف تماماً عن اختلاف الولاء وتشتت الانتماء. ولتجاوز الاكراهات ينبغي العمل على خلق خلايا مرنة للتنسيق بين كل التركيبات السياسية المعنية بالمصالحة الوطنية الحقيقية على أساس ردم الهوة بينها، لا على أساس التشتت والاضطهاد الحزبي الضيق أو التبعية لفئة معينة أو لنهج إيديولوجي محدد، مع الاحتفاظ بحق الاختلاف ضمن الخطوط الحمراء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تربية وتكوين | السمات:تربية وتكوين
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























